هذا ما لخّصه الشيخ علي الجزيري في بحثه الموسوم: (إضاءةٌ على حبّ عليّ)...
04/11/2019 | المشاهدات : 404
عندما أمر اللهُ موسى ليذهب الى فرعون إذ أنّه طغى وتكبّر، طلب موسى من الله أموراً ثلاثة (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِ) طلب أموراً ثلاثة ولكنّه لم يكتفِ بل طلب أموراً خمسة أخرى لأهل بيته، (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) وبهذا يكون قد طلب أموراً ثمانية ثلاثة له وخمسة لأخيه هارون.
ورسول الله قال لعليّ مقالةً لو وعيها الناس لعرفوا عليّاً حقّ المعرفة، إذ أنّه قال في عليّ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي)، منزلة هارون من موسى ليست بالأمر الخفيّ على المسلمين جميعاً، هذه الأدعيةُ الخمسة من موسى لهارون (اجعل لي) أوّل شيءٍ كلمة (اجعل لي)، يعني أنّ هذه المناصب لهارون من موسى لم يقدر موسى أن يجعلها لهارون، إنّما هي مناصب الله يجعلها، إذ لقال: اللهمّ إنّي جعلتها، وإنّما هي مناصب يجعلها الله للشخص (إِنِ الحُكْمُ إِلّا لله).
اجعل لي فأنا لا أقدر أن أجعله، فأنت يا ربّ اجعله لي، ويؤكّد هذه الدلالة قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي)، لو كانت منزلة هارون من موسى هي لهارون لكانت منزلة عليّ من رسول الله بيد رسول الله، ولكن رسول الله استثنى النبوّة ليبيّن أنّ منزلة عليّ منّي ليست بجعلٍ منّي وإنّما هي بجعلٍ من الله كما أنّ النبوّة بجعلٍ من الله، ولو كانت منزلةُ عليّ من رسول الله بجعلٍ من رسول الله لما احتاج رسول الله أن يستثني النبوّة، لأنّه لا يُحتمل في حقّ المنزلة بيد رسول الله أن تدخل فيها النبوّة لتحتاج الى الاستثناء والإخراج.
هذا كلامُ من أوتي جوامع الكلم، هذا كلام خير الورى، هذا كلامُ من لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحيٌ يوحى، إذن منزلةُ عليّ من رسول الله تبيّنها الأدعيةُ الخمسة من موسى لهارون، (اجعل لي وزيراً) إذن عليّ وزير رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، لأنّ عليّاً بمنزلة هارون من موسى وهارون وزيرُ موسى (واجعل لي وزيراً من أهلي) وعليّ من أهل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وعندما يصف القرآن الكريم أحداً أنّه من أهل أحد فيجب أن نستحضر أنّ ولد نوح بنصّ القرآن (إنّه ليس من أهلك) لماذا؟ لأنّه لم يُطع أمر والده ولأنّه لم تكنْ مجانسة بين نوح وبين ولده فنُفيت عنه هذه الصفة، أي كونه من أهله، وأمّا هارون فقد أثبت القرآن أنّه من أهل موسى، وبحكم كلام رسول الله في عليّ فإنّ عليّاً من أهل رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
أميرُ المؤمنين ورد عنه أنّه افتخر في موقفٍ ما بأخوّته من رسول الله، افتخر ليس بقصد التطاول على الناس وإنّما بإقامة الحجّة عليهم، فقال: (مَنْ فيكم جعله رسولُ الله -صلّى الله عليه وآله- أخاً له وآخاه؟) لإقامة الحجّة عليهم بيّن لهم أنّه أخو رسول الله، وهذه الآية تبيّن أنّ هارون أخٌ لموسى، وعليّ بمنزلة هارون من موسى فعليّ أخو رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، حديثُ المؤاخاة حديثٌ منفصل ونحن نتكلّم عن حديث المنزلة.
حديثُ المؤاخاة حديثٌ ورد بطريقٍ صحيح شطب عليه ابن تيميّة، فقال: إنّ رسول الله يعطف على كلّ أحد فلا يحتاج ان يجعل عليّاً أخاه ليصير عطوفاً عليه، وردّه الإمام الحافظ ابن حجر إمام أهل السنّة وقال: إنّ هذا ردّ للسنّة الصحيحة بالقياس، وقياس ابن تيميّة باطل، فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إذا أعطى عليّاً فإنّ الأثر لا ينحصر بعطف رسول الله على عليّ، بل يظهر ذلك بمكانة عليّ عند المسلمين، وإنّ هذا أخٌ لي وهذا من سنخي ومن مُشاكلي، كما أنّ الحديث صحيح والحديث يشهد له الحديث المتواتر أقصد به حديث المنزلة، فإنّ حديث المنزلة رواه نيّفٌ وعشرون نفساً من الصحابة، هذا حديثٌ متواتر وقد شهد بذلك إمام أهل الحديث الحاكم النيسابوري أنّه حديثٌ يدخل بالمتواتر، وهو حديثٌ روي في الصحيحين، فهو حديثٌ يفيد اليقين.
أمّا اليقينُ الضروريّ إن قبلت تواتره وهو فيه التحقيق أو حديثٌ يفيد اليقين النظريّ لأنّه مرويّ في الصحيحين، وقالوا: إنّ الأمّة إذا أجمعت على حديث الصحيحين المتواتر فهو صحيح، أي أنّ الحديث الذي يوجد في الصحيحين هو حديثٌ لا شكّ فيه وصحيح، وحديث المنزلة حديثٌ مرويّ في الصحيحين إذن هذا الحديث يشهد بحديث المؤاخاة.
(هارون أخي * اشدد به أزري) عليّ هو الذي شدّ فيه ربّ العزّة والجلالة أزر النبيّ فناصر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وهو الذي شدّ الله به أزر رسوله (صلّى الله عليه وآله) وهذا وصفٌ لم يأتِ أحدٌ غيري به، (وأشركه في أمري) وهذه من أعلى الصفات، عليّ شريك لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) في أمره، من قصر عقله يظنّ أنّ أمر رسول الله منحصرٌ في النبوّة، فيكون هذا قد استُثني من قول رسول الله (إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي)، وهذا من ضيق الأفق، إنّما أمر رسول الله واسعٌ بيّنٌ في القرآن الكريم في مواضع شتّى منه.
فإنّه شاهدٌ ومبشّرٌ ونذيرٌ وداعي الى الله بإذنه وسراجٌ منير، هذه كلّها غير النبوّة، هذه كلّها داخلة في هذا الحديث المتواتر المرويّ في الصحيحين الذي تبيّنه الآية، فهل يوجد في الأمّة مَنْ هذا شأنه؟! هل يوجد في الأمّة غير علي بن طالب(عليه السلام)؟! هل يوجد مَنْ يقال فيه إنّه شريكٌ لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، لكونه هادياً ومبشّراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه، فما لكم كيف تحكمون؟! والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
إعداد و تصميم و برمجة شعبة الإنترنت في العتبة العباسية المقدسة