هذا ما خلص اليه الشيخ عماد الكاظميّ في بحثة الموسوم: (رسالة المنبر الإصلاحيّة.. قراءةٌ تحليليّة لتوصيات المرجعيّة الدينيّة للخطباء)
04/10/2019 | المشاهدات : 221
الشيخ عماد الكاظميّ
إنّ الشريعة الإسلاميّة المقدّسة كان لها أعظمُ الأثر في بيان مقام الإنسان وفضله وكرامته، ويمكن رؤية ذلك جليّاً في نصوصها المتعدّدة مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، وهذا التكريم فيه دلالة على الرّسالة التي يجب على الإنسان أن يؤدّيها في المجتمع، فضلاً عن تحمّله للخلافة الإلهيّة في الأرض، ولو تتبّعنا سيرة الأنبياء والأوصياء لرأينا أنّهم كانوا على مستوىً متميّز عن سواهم من البشر في موارد متعدّدة، من حيث الانقياد لله تعالى وطاعته، وبذل كلّ شيء من أجل سبيله وعبادته، وقد تحمّلوا من أجل ذلك صنوف الأذى والعذاب من أقوامهم في سبيل إيصال تعاليم الله تعالى إلى الناس، وليكون الناسُ على بيّنةٍ من سلوكهم تجاه الله عزّ وجلّ، قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
وكان من أولئك الأنبياء المجاهدين الذين تحمّلوا كلّ أصناف العذاب من أجل هداية الناس وطاعة الله تعالى النبيّ الأكرم محمد(صلّى الله عليه وآله)، الذي ما فتئ يدعو قومه نحو الخير والصلاح وتوحيد المعبود، فكان من أعظم الأنبياء شأناً ومقاماً، وأدّى من بعده أوصياؤه هذه الرسالة أعظم أداء، وقدّموا أنفسهم قرابين لله تعالى من أجل الحفاظ على الإسلام وتعاليمه، بل قدّموا أهل بيتهم وأبنائهم وما يملكون من أجل تلك الغاية المقدّسة، حتّى وصل الحال ذروته وعُلاه يوم عاشوراء الخالد، يوم وقف سيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين عليه السلام يخاطب عتاة وطواغيت الدهر كلّه: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد)، بل جعل الإباء والعزّ والشموخ شعاره الخالد عبر التاريخ بكلمته الخالدة (هيهات منّا الذلّة).
فكان من ثأر تلك الدماء الزاكية التي أريقت في كربلاء أن تكون كربلاء قبلةً الأحرار، وأن يكون قبره مأوى الأحرار، وأن تصدح دعوته في ضمير الثوّار إلى يوم أخذ الثأر.
إنّ كلّ ما يتعلّق بكربلاء هو عظيم وله مقام وقدسيّة في نفوس المسلمين عامّة والمؤمنين خاصّة، والمنبر الحسينيّ هو من تلك الآثار المقدّسة التي ورثتها الأمّة من كربلاء الطفّ، ومن دماء الحسين، ولقد مرّ على هذا المنبر تأريخٌ وأحداث منذ ساعة تأسيسه إلى هذا اليوم، فتأريخه عظيم بوجوده ورجاله وآثاره.
ولقد كان له أبلغ الأثر في تهذيب النفوس وتربيتها وتنشئتها تنشئةً إسلاميّة وإنسانيّة عامّة، وقد تصدّى لهذه المهمّة رجالٌ عرفوا معنى النهضة الحسينيّة بأشخاصها وآثارها، وعنوانها وغاياتها، فأدّوا رسالة المنبر بما يمكنهم ذلك؛ ولأجل عظمة رسالة وأهداف المنبر الحسينيّ كان للمرجعيّة الدينيّة العُليا اعتناءٌ خاصّ به، من خلال معاهدته ومتابعته ورعايته، وبيان ما يحقّق أهدافه ضمن رسالته، وقد وردت عن المرجعيّة توصياتٌ متعدّدة في شأن ذلك وما يتعلّق بخطباء المنبر الحسينيّ والموضوعات التي ينبغي عليهم أن يحافظوا عليها، ويتمسّكوا بها لأداء تلك الرسالة، وتحقيق تلك الغاية.
إنّ هذه الصفحات التي بين أيديكم هي محاولةٌ متواضعة لخدمة المشروع الإلهيّ من خلال قراءةٍ تحليليّة لتوصيات المرجعيّة الدينيّة للمنبر، وبيان أهمّ الموضوعات التي تمّت قراءتها من بين سطور وكلمات تلك التوصيات المباركة؛ ليبقى يوم الحسين خالداً في التأريخ لا يخيبون الحسينيّ، وبيان أهمّ المواضيع وذكرها، ويبقى الحسين ربيع الشهادة لا تبلى أيّامه، وحاولت أن تكون قراءة تلك التوصيات من خلال الواقع الذي تعرّفنا به على عظمة المنبر الحسينيّ في الأمّة، ودوره الكبير في هداية المؤمنين، وتربية الفرد والمجتمع، وأرجو أن تكون قراءةً واعية نافعة للإخوة الكرام خطباء المنبر الحسينيّ، وللذين يحضرون تلك المجالس الحسينيّة المباركة، وقد وردت في ذلك كلمات متعدّدة من الأعلام والمشاهير المسلمين وغيرهم، تؤكّد دور تلك المجالس، فصفحات هذا البحث هي قراءة تحليليّة وليست تفسيريّة لفقرات التوصيات، فقسمت البحث على محاور عشرة بعد مقدّمةٍ ثمّ خاتمة، وحاولت في كلّ محور أن أبيّن أهمّ الموضوعات التي تضمّنتها الوصيّة في ذلك المحور، وأردت أن أذكر بكلّ وضوح أنّ المنبر الحسينيّ هو مدرسة إنسانيّة عظيمة تحتاج إلى معلّم يعرف عظمتها وآثارها وسبل تربية أبنائها.
وقد حاولت كذلك من خلال هذه الصفحات أن أجعل الخطيب والمتلقّي على بيّنةٍ تامّة من رسالة المنبر الحسينيّ وأهدافه، من خلال المتابعة الواعية لدور المنبر في الأمّة، وبيان أنّ المنبر الحسينيّ غير قائمٍ على سرد الوقائع التاريخيّة للنهضة الحسينيّة المباركة، كما ورد ذلك في التوصيات، وهذا ما تمّت الإشارةُ إليه في مقدّمة توصيات المرجعيّة، حيث المشاركة التامّة الواعية بين الخطيب والمتلقّي لتحقيق الغايات المناسبة، والحفاظ على آثار يوم عاشوراء، وهذه المحاور التي عرضتها تؤكّد واقعيّة هذه الدعوة، وأرى بصراحة أنّ الخطيب لو التزم بما سيتمّ بيانه بتواضع في هذه الصفحات من محاورها المختلفة، لاستطاع أن يربّي جيلاً عظيماً يتخرّج من مدرسة المنبر الحسينيّ، المدرسة القائمة على علوم متعدّدة بين النظريّة والتطبيق، وتهذيب النفس الإنسانيّة والارتقاء بها نحو التكامل الإنسانيّ الفرديّ والاجتماعيّ.
إعداد و تصميم و برمجة شعبة الإنترنت في العتبة العباسية المقدسة