هذا ما خلص اليه الشيخ عبدالله دشتي في بحثه الموسوم: (الخطاب الدينيّ بين منهج الإقصاء والاحتواء)...
04/22/2018 | المشاهدات : 359
إنّ مشكلة الإقصاء وظواهرها المتعدّدة نبعت من خطابٍ جهاديّ مارسته حركاتٍ تُنسب الى الإسلام وفق الظاهر، ولكن الحقّ أنّهم امتداد تاريخيّ لحركة الخوارج، فمارست كلّ وحشيّة الخوارج أسلافهم بل زادوا عليهم الكثير من الوحشيّة.
فالحقّ أنّنا واجهنا وبنحوٍ جليّ ظاهر في هذه السنوات الأخيرة من عمر المنطقة السياسيّ لا مجرد عمليّة إقصاء في الخطاب الدينيّ، بل واجهنا وحوشاً أهلكوا الحرث والنسل وكانت أشرس الهجمات في أرض الرافدين وإن امتدّت الى كلّ بقيّة ترتبط بنور العترة الطاهرة، وهذه الجرائم الوحشيّة التي رأيناها وإن كانت تضرب جذورها في منابع الفكر الخارجيّ الذي خرج على أمير المؤمنين(عليه السلام) والفكر النجديّ، حيث يخرج الشيطان، وسبق أن فتك بأهل كربلاء في مطلع القرنين الماضيين، لكن لا تخلو في نشأتها المعاصرة من أيادي خارجيّة أرادت الإساءة للإسلام، فأمدّت هذا المشروع الوحشيّ بالمال والعتاد، وأصرّ إعلامها على إلباسها لباس الدين الإسلاميّ.
ولذا أحد أهمّ المهامّ والمسؤوليّات التي تقع على عاتقنا نحن أتباع العترة ونستوعب الإسلام المحمّدي العلويّ الحسينيّ الصافي المقارع للظلم، هو إبراز الإسلام الحقيقيّ الممتلئ بالرحمة وبناء حياة الإنسان وخاصّة بناء روحه وتهذيب نفسه واستيعاب الجنس البشري وإدخاله تحت مظلّته الوارفة، ما دمنا نجد عند الإنسان مهما كان انتماؤه حسن النية وحبّه للخير، ومن ثمّ يصحّح الصورة المشوّهة التي قدّمها هؤلاء عن ديننا الحنيف دين الرحمة ويبرز قدرته على احتواء البشر لا لإقصائهم وإهلاكهم.
فلا شكّ أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) بُعث للناس كافّة كما قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلّا كافّة للناس بشيراً ونذيراً) لذا فالكثير من خطابات القرآن هي خطابات للناس، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .
كما لاشكّ أيضاً ما دمنا نتحدّث عن الإنسان قبل الإيمان بالكتاب والرسل أنّ خطابنا الإسلاميّ في خطابه الأوّل مع المعايير هو خطابٌ للفطرة التي لا شيء آخر معها، الفطرة التي هي منبع الدين والإيمان، قال تعالى: (وأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدينُ القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون).
ولذا يجب على المسلم الذي يُخاطب الآخرين أن يهضم وبنحوٍ دقيق الجذور الإنسانيّة للدين حتّى يبقى خطاباً مجلّياً لخير الإنسان والإنسانيّة، فتبرز كمظلّةٍ للبشرية بكلّ تنوّعاتها الدينيّة والمذهبيّة، نعم.. هو يحدّد في الوقت نفسه الخطوط الحمراء الفطريّة القرآنيّة التي توجب إقصاء بعض البشر بسبب انتمائه الى حزب الشيطان، فمن نُحرز انتماءه بقلبه الى زمرة الظلمة الجبّارين أو المشتركين المُعلنين محاربة الله أو المحاربين الله ورسله المستفيدين في الأرض، لا يمكننا ولا يُمكن للدين أن يستوعبه، لفقده هو القابليّة لذلك لا لقصورٍ في الدين وخطابه الإنسانيّ والفطريّ الخيري، نعم.. الأصل أنّ البشر كلّهم يدخلون في الخطاب الذي أمرنا به الله في قوله: (وقولوا للناس حسناً) أو قوله: (ادعُ الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، بل الظاهر من القرآن أنّ هذا هو أصل التعامل البدويّ حتّى مع عتاة هذه الأرض إتماماً للحجّة عليه، لذا قال عزّ وجلّ مخاطباً نبيّه موسى وأخاه هارون(عليهما السلام): (اذهبا الى فرعونَ إنّه طغى * فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى)، لكن ما سبق هي آدابُ الحديث مع المخالف وآدابُ خطابه، ولكن يبقى الأساس يتمثّل بأنّ مظلّتنا الإنسانيّة تعذر الجاهل غير المعاند أو المعذور في بعض معتقداته، ولذا يجب أن نضع نصب أعيننا آيات محوريّة في هذا الجانب، منها قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، وكذلك قوله: (إلّا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى اللهُ أن يعفو عنهم وكان الله عفوّاً غفوراً) وهكذا قوله تعالى: (فذكّرْ إنّما أنت مذكّر * لست عليهم بمُصَيطر)، أو قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشدُ من الغيّ).
إنّ الفارق بين الخطاب الخارجيّ والخطاب الإسلاميّ الأصيل ينبع -في نظري- من قدرتنا على التوازن بين العقل والتعبّد في الدين، فمشكلة الخطاب الجهاديّ عند حركات الخوارج المعاصرة إنّما فقدت ذلك التوازن وأصبحت تتعبّد ببعض الأمور بنحوٍ يفيض ويفوح حماقةً وجهلاً، بل مشكلتهم الأولى مع أمير المؤمنين تمثّلت في ذلك، أعني شعارهم الذي رفعوه في خضمّ أحداث صفّين وقولهم المشهور (لا حكم إلّا لله) الشعار الذي علّق عليه أمير المؤمنين(عليه السلام) -كما روي في نهج البلاغة- بقوله: (كلمة حقٍّ يُراد بها باطل)، نعم.. إنّه لا حكم إلّا لله ولكن هؤلاء لا أمر إلّا لله، ولكنّه لابدّ للناس من أميرٍ برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيه الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدوّ وتؤمّن به السبل ويأخذ به الضعيف من القويّ حتّى يستريح ويستراح من فاجر.
جذور حماقة الخطاب الجهاديّ عند خوارج العصر ترجع الى نفس العقليّة المتحجّرة للذين حاربوا أمير المؤمنين(عليه السلام) بل كفّروه انطلاقاً من الشعار الذي لم يعرفوا حقيقته (لا حكم إلّا لله).
نعم.. جزء أساس من جوهر سلامة الخطاب الدينيّ وصحّته يكمل في حاكميّة المطالب العقليّة والفطريّة وتقدّمها على الكثير من التعبّديات، بل يجب اعتبارها أساساً لفهم الكثير من أحكام الشرع، فلا أحد يُمكن أن يسمع (لا حكم إلّا لله) ويفهم منه الفهم الأحمق للخوارج الذين فهموا منه عدم جواز تحكيم أحدٍ من البشر في الخلافات، لذا من البديهيّات التي انطلق منها ابن عباس لمناقشتهم قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفّق اللهُ بينهما)، نعم.. يجب أن نعلم بحاكميّة الكثير من المطالب العقليّة فهي قد تكون أصلاً لقبول أو رفض بعض التراث المرويّ، هذا أصلٌ أساس في عمليّة استنباط الحكم الشرعيّ عند فقهائنا، فقد قاموا بمناقشة العديد من جذور ذلك في مباحثهم في الدليل العقليّ.
إعداد و تصميم و برمجة شعبة الإنترنت في العتبة العباسية المقدسة