للمدة من 3- 7/ شعبان/1438 هـ
عن المهرجان
مقدمة
إنّ الأمل المنشود من رسالةٍ حملها ساعي السماء الى البشريّة أجمع، هو الرقيّ بفطرة الإنسان الذي خلقه الله وبيان ما خفي في طيّه، فمنذ أن خلق الله عزّ وجلّ الإنسان، أراد له أن يكون ذا منزلةٍ رفيعة فجعله خليفةً في أرضه، وسخّر له كلّ ما في الكون.
ومن هنا توهّجت الومضةُ الأولى للرّسالة حين عرّف الله الإنسان بنفسه وخَلْقِه وأراد منه أن يعرفه. فعزّز مكانته بالأنبياء والرّسل وأوحى اليهم لتثبيت دستور هذا الكون، وتوثيق العلاقة بين الإنسان وربّه، فجيء بالنور بعد توهّجه وأخذت جوهرة العقل تكتشف مكامن العلم والثقافة من الكون.
بعد ذلك أخذت الرسالات السماويّة على عاتقها نشر ما اكتشفه الإنسان، والإعلان عنه، وتوسيع رقعة العلم والثقافة بين الأمم والشعوب، حتى أمست الأمّة التي لا تبحث عن العلم والثقافة أمّةً ميّتة. ومنذ ذلك الحين وللآن أصبحت تُقاس الأمم بثقافتها وحضارتها ووعيها الاجتماعيّ، فنجد اليوم أنّ الكثير من الأمم أخذت على عاتقها توفير أفضل السبل لدعم شرائح المثقّفين والمفكّرين والمُبدعين.
ولما حملته الرسالاتُ السماويّة والأديان التي اختُتِمت بالإسلام من عمقٍ روحيّ وإنسانيّ تجعل من الإنسان الخليفة الذي أراده الله تعالى، حتّى وجدت آخر الرسالات من اجتهد فأجاد في الدفاع عن الإنسان وقيمه، حين نقش الإمام الحسين(عليه السلام) اسمه في سماء المجد والخلود دفاعاً عن تلك القيم وتحريراً للإنسان من الظلم والعبوديّة، سائراً على خطى جدّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) منهجاً وتصوّراً. لتتوارث هذا الخلود أجيالٌ متعاقبة على مرّ العصور ومن مختلف الأديان مقتدين بسموّ الثورة العظيمة للإمام الحسين(عليه السلام)، لابسين الشهادة درعاً فوق الصدور بوجه العبوديّة والرضوخ.
ولأنّ الظروف التي يمرّ بها العراق اليوم هي ظروفٌ استثنائيّة تتطلّب من الجميع تضافر الجهود للعبور بهذا البلد الى برّ الأمان، من أجل عراقٍ حرّ موحّد خالٍ من النعرات الطائفيّة المقيتة، إذ أنّ هذا الأمر لا يتحقّق إلّا بالكلمة الصادقة والمؤمنة والهادفة، التي تتمثّل في ما يسطّره أصحابُ الأقلام الشريفة. فنهضت العتباتُ المقدّسة في كربلاء بثورةٍ ثقافيّةٍ علا صوتها على صوت أزيز الرصاص الطائفيّ. لتستمدّ من الإرث الحسينيّ ربيعاً عالميّاً متجدّداً لا حدود له، تشترك فيه أغلب الأديان السماويّة سُمّي بـ(مهرجان ربيع الشهادة).

تعريف بالمهرجان
مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي هو مهرجان ثقافي فكري تقيمه وتموله بشكل كامل الأمانتان العامتان للعتبتين ‏المقدستين الحسينية والعباسية منذ تأسيسه قبل ‏ثلاث عشرة سنة أحياءً لذكرى مولد سبط الرسول الأعظم الإمام أبي عبد الله الحسين وأخيه أبي الفضل العباس وابنه الإمام السجاد.
وهذا المهرجان يهدف لتلاقح الأفكار والخروج برؤية أكثر نضوجاً، ويُعزز المسيرة الإنسانية نحو التكامل، من خلال التقاء العلماء والمبدعين والمفكرين والعقول والباحثين فيما بينهم، ليكون فرصة للجميع لأن يُلقي الباحث بحثه فيتفاعل من حوله من الباحثين والمستمعين لتنضج الأفكار وتُروج معالم الدين الصحيح الذي يطرد الفكر الظلامي والتكفيري والمنحرف عن قيم الاسلام، المدَّعي له منذ أيام يزيد وحتى هذا اليوم.
وبالتالي يُكمل المهرجان رسالة الإمام الحسين في إظهار دين جده الرسول، الذي ضحى بنفسه وعياله وأصحابه ليبقيه ويحميه من الانحراف المدعوم من قبل السلطة ووعاظها آنذاك.
المهرجان واحة للمفكر كي يُبدع، وللشاعر ان تستفز قريحته لينظم قصيدة تصل معانيها السامية، وحكمة الملحمة الحسينية، مستخدمين فطرة الناس السليمة في حب الإمام والعترة الطاهرة من أصحاب هذه المناسبة العظيمة التي يُقام فيها المهرجان.
كما يساهم هذا المهرجان للتعريف والتبليغ بنهضة الامام الحسين للعالم بمستويات متعددة، حتى تصل للعمق، وهو محاولة لتوحيد المسلمين حول شخصية تمثل سبط نبيهم.
وهو رسالة لإيصال نهضة الامام الحسين الى كافة انحاء العالم، من خلال تمثيل مثقفيه وشخصياته في المهرجان، بصفته العالمية التي حملها منذ تأسيسه ومشاركة العديد من الدول فيه.
بالإضافة لدور المهرجان في شرح اهداف نهضة الامام الحسين وبيان سبب نهضته مع عائلته وأصحابه مع علمه بالظروف ونهاية المصير.
وقد انطلقت أول دورة لهذا المهرجان سنة (1427هـ -2005م ) وقد حقق النجاح بالرغم من الظروف الامنية الصعبة التي كان يعيشها البلد آنذاك.
وقد استطاعت الامانتان العامتان للعتبتين المقدستين ان تقيم فيه برنامجاً متعدد الانشطة، خلال اسبوع من عمره التنفيذي، وقد سبقته سبعة أشهر من التحضيرات لإقامة هذا التجمع العالمي، متحدياً كل الظروف العصية التي كان يمر بها البلد، بعدها استمر المهرجان الى ان وصل اليوم إلى الدورة الثالثة عشرة هذا العام.
وقد استطاع المهرجان ان يحقق مستوى متميزاً من التحضير والحضور في جميع دوراته، وظهر في كل الأعوام بشكل لافت للانتباه من ناحية الفعاليات والحجم والنوع.
فقد كانت الفعاليات المتعددة والمتنوعة سمة مميزة للمهرجان، ومنها الامسيات القرآنية والبحوث العلمية الحوزوية والاكاديمية والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والفعاليات الاخرى مثل معارض الكتاب وافتتاح المشاريع العملاقة.
وقد يتساءل البعض لَمِ يقام هذا المهرجان بهذا العدد الكبير من الحضور وهذا الكم من الفعاليات المتزاحمة ؟
نقول إن مشروع مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي نجح وعلى مدى الأعوام الإثني عشر الماضية في بث حراك ثقافي في العراق وخارجه، إذ انفتح على الحضارة المعاصرة لترصين المقومات الثقافية والفكرية فيها، ونجح في خلق توازنات فكرية روحية مهمة لمن اهتزت عندهم القناعات بسبب تدليس أو جهل أو تجهيل من البعض.
كل ذلك لأن هذا المهرجان وليد ثقافة ومدرسة فقهية عقائدية ابهرت العالم برصانتها وعمق فكرها رغم الاعتداء الذي جرى عليها من قبل الحكومات طوال أكثر من اربعة عشر قرنا، وهي امتداد لخاتمة الرسالات السماوية.
يسعى المهرجان من خلال فعالياته لترسيخ ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم.
وبخطى ثابتةٍ أصبح مرتكزاً ثقافياً مهماً لما يملكه من مخزون ثقافي هو نتاجات المشاركين فيه، وهو بذلك قادر على استنهاض الامة عبر مشروع وطني اسلامي انساني، ينفتح على الفكر المبدع، بواسطة الاهتمام بالفعاليات والنشاطات الفكرية والثقافية، وهو جزء من نشاط مدرك يؤسس دورا لتثقيف المجتمع وزيادة الوعي بالمسؤولية.
وهو يسعى إلى تأكيد الهوية الحسينية المعطاءة التي رفدت البشرية بنهضة تضحوية أحيت القدرة على مواجهة مرتكزات الجور ورفض الهيمنة السلطوية والظلم.

تأسيس المهرجان
كانت نواة تأسيس هذا المهرجان في بداية عام 2005 حين كانت تعقد اجتماعات التأسيس في لجنة الاعلام (حالياً قسم الإعلام) التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، ومن قبل خلال بعض الإخوة من اعضاء اللجنة التحضيرية للمهرجان الحاليين، تم اقتراح اقامة مهرجان يضم مجموعة من الفعاليات، ودعوة شخصيات عدة على مختلف طوائفهم و قومياتهم وتوجيهاتهم الاخرى، ومن بلدان مختلفة، لطرح النهضة الحسينية بشكلها الصحيح البعيد عن التعصب الطائفي.
وقد لاقت هذه الفكرة استحساناً من قبل الجميع، ورفع هذا الاقتراح في وقتها الى سماحة المتوليين الشرعيين للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية (السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي دام عزهما) حيث كانا في ذلك الوقت عضوي اللجنة العليا لإدارة عتبات كربلاء المقدسة التي شكلتها المرجعية الدينية العليا بعد سقوط اللانظام البائد واقترح في وقتها ان يكون الاسم ربيع الشهادة.

سبب تسمية المهرجان بربيع الشهادة
يكمن السبب وراء اختيار اسم (مهرجان ربيع الشهادة) في أن الامام الحسين له ولادتان، الاولى لباقي البشر وكانت في الثالث من شهر شعبان المعظم.
أما الولادة الثانية فكانت عند استشهاده سلام الله عليه، فهو بهذه الشهادة افتتح عصرا جديدا للإسلام الذي كاد ان يموت لولا تضحياته التي ادت الى بقاء الرسالة واحكام الرسالة ومنعها من التزييف الاموي، الذي شرعن كل تصرفات الطاغية يزيد، الذي اغتصب منصب الخلافة.
ومع دعمه من محبي السلطة الفاسدة ومن المتنفعين من سياسة بني أمية يكن البغضاء للنبي محمد وآله بيته الطاهرين، كانت تضحية الامام الحسين واهل بيته السبب الوحيد لإلفات نظر الناس الى عظم الجريمة التي يقوم بها يزيد من تزييف الدين، وتحريفه وإبعاده عن جادته الصحيحة.
وبالتالي كانت شهادته احياءً للدين من جديد، وولادة للنهضة الحسينية الخالدة.
ولشهرة هذه النهضة وشدة وطأتها وعظمة نتائجها الإيجابية على الانسانية والاسلام.
فلا نجد مؤمنا في انحاء العالم لا يعرف الامام الحسين ولا يعرف قضيته، فقد خلُد بهذه الملحمة الخالدة، ومن هذا المنطلق كان الرأي ان لا يكون الاسم (ربيع الولادة) بل (ربيع الشهادة) ابتعاداً عن التقليد والبساطة.
فكان كالربيع يفيض عطاءً على المؤمنين بالمعلومات والبحوث والقراءات لهذه النهضة التي اعادت للدين حيويته، ومنعت التزييف والتزوير الاموي الذي كاد ان يصل بنا ونحن في هذا القرن الى دين صوري ليس له الا الشكل، والذي لا معنى له لولا تضحية الامام الحسين.
وهذا الاسم انعكس إيجاباً على المهرجان وصار مدعاة للتساؤل لماذا (ربيع الشهادة؟) حيث كان هذا الاسم حافزا للباحثين، لكي يؤكدوا على الولادة العقائدية والدينية للإمام الحسين لا الولادة الطبيعية فقط ، لأن الولادة الثانية كانت بنجاح نهضته التي حمت الدين من الانحراف وابقته سالما حتى وصل للأجيال كما صدر عن رسول الله.
وبالفعل استطاع مهرجان (ربيع الشهادة) فتح سبل تواصلية مثمرة من فاعلية اللقاءات مع جميع المهتمين بتكامل البشرية وتطويرها فكرياً، وتأصيل اواصر التلاحم الفكري بين جميع المفكرين الذين هم قنوات فكرية مشرقة، و ترصين أطر تراثية تعبر عن روح التضحية في أعظم منعطفٍ شهدته البشرية.
لذا وبحمد الله تعالى وتوفيقه وللسنة الثانية عشرة على التوالي، وها نحن نجتمع في السنة الثالثة عشرة منه استطاع هذا المهرجان، تطوير الواقع الحقيقي الذي يستنير بمنهج أهل بيت الرحمة.
وبالإضافة إلى حثه الباحثين للتنقيب عن كيفية الافصاح عن كينونة هذا المنهج الحسيني، صار يمتلك بنى تشكيلية واسعة في اطار شبكة الثقافة، ليكون مهرجاناً رصيناً يتبنى رؤى ستراتيجية تحارب الفكر البعيد عن منهج الإسلام المحمدي الأصيل.
واستطاع القائمون عليه تحويله إلى منبرٍ يعبر عن قدسية المحتوى الانساني وعن الجمالية التضحوية الجامعة لكل الهويات والمتخطية حواجز التسيس، لذا وجد ليؤسس تجربة ثقافية حضارية، ويسعى الى معاينة الواقع بمنظور متعدد التجارب، وبمفاهيم ثقافية فكرية متنوعة، بأطر واتجاهات وبنى مختلفة، تشكل الهويات المختلفة للدول المدعوة في المهرجان.
فأهم ما في هذا المهرجان هو المعنى الانساني ، ومفردات كل فعالية على طول أيامه الخمسة التي يُقام فيها، حيث تتحد مع بعضها لتشكل نسق التجربة، كممارسة مميزة لها استقلالها الخاص، وخطابها منضبط، يمثل المرتكز الوجداني، لكنه ينفتح على عوالم سامية تحمل سمة الاصلاح التي دعا لها سيد الشهداء، ويقوم توحيد الفكر الاصلاحي، وتوحيد الانتماءات، بحمل اضاءات الماضي الى حاضر ليؤسس المستقبل.
بدراسة الفسحة النهضوية التي تركها لنا الجهد التضحوي الحسيني، باعتباره معياراً قيّمياً له فعل التغيير الايجابي، وله فضيلة كشف الخلل للعالم وفضح بؤر الانهيار.
وكما يمكن أن نجمل أمكانية تحديد تأثيرات مهرجان ربيع الشهادة من عدة جوانب بالنسبة للتأثيرات التي تركها في الواقع وهي:-
الجانب الفكري
بكل فخر يمكن إن نقول: إن هذا المهرجان استطاع أن يحث الباحثين من مختلف بقاع الأرض وعلى مدى اثنى عشرة سنة من عمر المهرجان، إلى الغوص في بحار فكر ملحمة الطف، لينتجوا بحوثاً علمية رصينة تجاوزت الـ (1000) في مجالات شتى، فكل باحثٍ منهم أخذ جانباً معرفياً لا سبيل لإدراك أبعاده كافة، لكن الأهم هو استمرار مهرجان ربيع الشهادة الذي يحفزهم للمضي قدماً في فتح آفاق معرفية جديدة لنهضة الإمام الحسين.
فقد أجمع الباحثون والمفكرون جميعاً من خلال إعتلاهم منصة إلقاء البحوث التي تنعقد ضمن فعاليات المهرجان، على الشرف العظيم الذي يناله الإنسان ليتحدث عن الإمام الحسين في رحبته وعن واقعته التي جعلها الله تعالى آية من أعظم الآيات لإنقاذ البشرية من الضلال.
لذا هم يتزاحمون على نيل هذا الشرف بالدرجة الأولى، وذلك للدخول إلى العلوم المعرفية الإلهية من أوسع أبوابها، ألا وهو الإمام الحسين الذي يمتلك هذه الخصوصية العظمى.
فقد ذهب بعضهم في تجليات بحوثهم الى ربط العلقة بين النبي ابراهيم، حينما جاء بولده إسماعيل وامه هاجر من العراق وتركهما في واد غير ذي زرع في الحجاز، وما صنع الله تعالى بنبيه إبراهيم وبولده نبي الله إسماعيل، بعد أن نفتهم الامبراطورية الأكدية، وعلى رأي البعض هي الدولة السومرية بقيادة سلالة أور الثالثة في القرنين 21 و22 قبل الميلاد، هذه الدولة التي كانت مترامية الأطراف، شملت العراق التأريخي بما فيه أجزاء في دول الجوار، مع حكم هذه الدولة أجزاء كبيرة من سوريا وإيران بحدودهما الحالية.
وقد بعث في ظل تلك الدولة نبي الله إبراهيم سلام الله عليه، ثم نفاه حاكمها نمرود بعد أن عجز عن قتله وبقي في منفاه اربعين سنة، ثم سلط الله سبحانه وتعالى، على هذه الدولة من ينهي أمرها، ويدمر ما بنته ثم صارت من الماضي لترثها دولة أخرى على أرض العراق.
ولكنها اصبحت شاهدا حيا على إكرام الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم، فملايين الناس يزورون مكة المكرمة ويعظمون نبيهم إبراهيم عليه، ويقتدون به وبولده سلام الله عليهما، وهذا الموقف ذاته تجدد أمره مع حفيده نبينا محمد، بولده الإمام الحسين، حيث كانت كربلاء أرضاً بلا سكن لمعركة تركت أجسادهم الطاهرة بلا دفن لثلاثة أيام، وذريته سبايا أخرجهم الأعداء من العراق إلى الشام، وهو لا يقارن بغيره بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، إلا بجده رسول الله.
وذهب بعض الباحثين إلى التعمق في ذكر الإمام الحسين في الكتب المقدسة السابقة، وانه مرتبطاً بخبر جده رسول الله وكثرة الأخبار فيه ككثرة الأخبار في جده.
وقد أجمع من بحث في هذا الجانب أن قضية الإمام الحسين لم تشابهها قضية ذكراً في الكتب السابقة.
أما البعض الآخر فقد عرج على مساهمات النهضة الحسينية الفاعلة في تنمية وتقويم الإنسان من الناحية العقلية والمنطقية وكيف أخرج الإنسان من العبودية الباطلة لشهواته وغرائزه الى العبودية الحقّة للحق المطلق.
بالإضافة الى تناول بعض الباحثين مسألة إرادة الإنسان واختياره وتحمّله المسؤولية وهو أمر بالغ الأهمية، وكيف أن الإمام الحسين قدّم للأمة مكارم الأخلاق في أحلك الظروف وأصعبها، ووثـّق الارتباط الروحي والتوكّل والتسليم المطلق للإرادة الإلهية، ليصنع الإنسان الواعي المؤمن المواجه للتحديات والمنتصر فيها، والمنقذ للبلاد والعباد من شرور منهج الطاغية يزيد.
ومن نتاج صُنع الإمام الحسين ونهضته، هذا الانسان الذي ربّته مسيرة الأربعين المليونية، فضحى بنفسه ولبى فتوى المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، بأعدادٍ غير مسبوقة قياساً بفتوى كفائية.
فما كانت هذه المواقف والملاحم البطولية إلا ثمرةً واحدة من ثمار النهضة الحسينية المباركة طوال القرون الأربعة عشر الماضية، وما أكثر أخواتها.
أما البعض الآخر فقد تتبع واقعة الطف ليقف عند الدور الاعلامي الكبير الذي مارسه الامام الحسين في مواجهة الشجرة الخبيثة المتمثلة ببني امية، الراغبة، في بث الانحراف عن الشريعة السمحاء التي جاء بها نبي الرحمة وخاتم الرسل محمد، متعمقين في مواقف الإمام الحسين ابتداءً من خروجه من مدينة جده رسول الله المدينة المنورة امام الملأ، وهم يضجون بالبكاء والنحيب، ودخوله الى مكة المكرمة وابداله الحج بالعمرة المفردة، مما يدل على تحول كبير في نهضة الامام الحسين، وما جرى في الطريق إلى الكوفة وصولا إلى كربلاء.
كل هذه المواقف تدل على دور اعلامي كبير قام به الامام سيد الشهداء سلام الله عليه مما سيكون منطلقا للاحرار في العالم على مر الدهور ومنارا للخير والهدى .
أما خطبة الإمام الحسين في بداية خروجه فقد أعلن منها الهدف من نهضته اذ قال : «إني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي محمد أريد ان آمر بالمعروف وانهي عن المنكر».
فقد أخذت حيزاً كبيراً من قبل الباحثين، لأنها خطبة لها دلالات رائعة على الرسالة التي كان يحملها واراد ابلاغها للعالم .
يحتار الباحث من أين يبدأ و نهضة الامام الحسين تمتد في عمق التاريخ وعمق البحث الى ابعاد طويلة المدى واسعة الغور.
بل من جوانب اتساعها انها تصلح في كل زمان ومكان لإستقراء معانيها واسرارها، وتفتح الباب على مصراعيه للباحثين ان يستمدوا من هذه النهضة المباركة، ما يفيد في هذا الواقع المعاش فحتى مفردات السلطة والخلافة والاصلاح التي كانت ضمن الشعار لإحدى سنوات المهرجان.
حيث فتحت افقاً أمام الباحثين كونها مفردات مهمة، ثم حددوا الخلط الذي وقع فيها، وفي معرفة مدلولاتها قديما وحديثا، ثم لان هذه المسائل المتعلقة بالسلطة والخلافة والاصلاح، عاشت لتتولد في مفاهيمها الخاطئة المنظور لها، عاشت منها بل ولدت منها محنة الامة الاسلامية.
منذ امد طويل والى اليوم الحاضر تعيش بنية الفكر الاسلامي اضطرابا في المفاهيم والاشكاليات التي تطرح في الساحة الفكرية عبر تداعيات سياسية وعقائدية تتناول ابعاد القضايا المهمة في تاريخ الاسلام، وقد كان المهرجان لبنة في مشروع حل ذلك الاضطراب.
ومن أوضح مصاديقه ، حين يقع الخلط غالبا بين مفهوم السلطة والخلافة عبر التاريخ الاسلامي، حيث اصبح من المألوف تداخل معطيات الافكار واختلاط المفاهيم بعيدا عن مدلولاتها الحقيقية بسبب ما تحكمه مقدرات السياسة من هيمنة قدراتها الفاعلة على واقع مجتمعنا الاسلامي، وذلك لان اتجاه الفكر السياسي هو المحتكر الوحيد للحديث عن سلطة نظام الحكم في الدولة، بما يناسبها وتفرضه عبر مؤسساتها واجهزتها القادرة على الفرض، اما بالتعسف او العنف، او بالتحايل بالذرائع القانونية، وهي من سَنْتها.
وهناك باحثون اتجهوا نحو البعد العرفاني لواقعة الطف فقد قالوا: إن معرفة الإمام الحسين قد بدأت في يوم عاشوراء، وكأن الامام ولد قبيل عاشوراء واستشهد في ذلك اليوم، والبعض لا يعلم التراث العلمي والدُعائي والاخلاقي والمناجاتي الذي أنتجه الإمام الحسين.
وهذه محطات بسيطة جدا من عطايا مهرجان ربيع الشهادة في الجانب الفكري البحثي كتبناه بشكل ملخص في هذا الكراس.
الجانب الإعلامي
مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي استطاع وخلال الاثني عشر عاماً تغيير النظرة الخارجية عن كربلاء المقدسة، إذ فتح آفاقاً جديدة أبهرت العالم لما شهدته العتبات المقدسة خلال هذه الفترة البسيطة من الزمن، حين تحولها إلى منار تشرق للعالم أجمع، بالعلم والهداية والثقافة والخدمات، بعدما غُيب دورها ليجعله الحكام -بقهرهم وظلمهم- مقتصراً على كونها أماكن للعبادة والتأمل والاستزادة الروحية.
كما كان المهرجان نافذةً يطلع من خلالها حضوره والذين يمثلون دولاً وقوميات وأدياناً ومذاهب عدة، على أبرز المشاريع العمرانية والخدمية والفكرية لعتبات كربلاء المقدسة، والتي من شأنها أن تقدم أفضل الخدمات لزائري المراقد الطاهرة، ليكونوا بدورهم رسل بلادهم لنقل هذا الفيض الحسيني المعطاء.
ومهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي هوية لأمة تمتلك روحية التنامي، فعبر كل نسخة من المهرجان نجد تطورا في اساليب التنفيذ وجهداً لأسماء استنارت بضوء المآثر العظيمة سعيا لخلق تقاربية في المعنى.
ولذلك نلاحظ الترحيب الشعبي العام من قبل مدينة كربلاء المقدسة التي تقدم معاملة مميزة لضيوف المهرجان بدءاً من الترحيب والاحترام وليس آخرها تسهيل مهام التعامل اليومي في شوارع المدينة.
ومع اطلالة المولد تلبس كربلاء حلة البشرى والسعادة وترفع الزينة في كل مكان مرحبة بيوم كربلاء وضيوفه الكرام، موعد انطلاق مهرجانها العالمي.
فأصبح المشاركون ينتظرون سنة كاملةً ليقبل شهر شعبان وتطل الانوار المحمدية، ويحل مهرجان ربيع الشهادة لترى فيه زهو الوجود.
فتزاحم اما نزاحم الوسائل الاعلامية هذا الكم من الوسائل الاعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة والإلكترونية الناقلة لفعالياته، فهو كاشفٌ عن سعيها لنقل المعنى الحقيقي لرسالة السماء، وتوفير فرصة لتشكيل خطاب فكري متزن بالإضافة الى الخطاب الاعلامي.
فالكثير يعي الفضاء الخبري وتناقل الأحداث، لكن الطموح هو ان يقدم هذا الخطاب بروح مبدعة، روح الفكر القادر على جمع الهويات، وهذا الخطاب يزداد تألقاً عندما ينقل الى اناس تختلف السنتهم، وتختلف هوياتهم الثقافية والفكرية، ويبدو السؤال جوهريا عندما نسأل انفسنا:
لماذا اجتمعوا اليوم في كربلاء ؟
هذا يعني أن هنالك مؤثرات فكرية استناروا بها، وقادتهم الى المشاركة بهذا الجمع، الذي يشكل نواة لخلق صحوة اعلامية تنبه العالم الى هذا الاشعاع الكربلائي الانساني، كي لا يُحرموا منه .
لذا وبحمد لله استطاع المثير قراءة هذا المهرجان من خلال المؤثرات الشعورية، التي لابد أن ترتقي الى مستوى التماثل مع المناسبة، وخلق موازنة فكرية، كون هذا المهرجان يمثل قيمة الولاء الحسيني، وعظمة الفكر الانساني لائمة اهل البيت، الذي يستمد منه فكرة الوحدة الاسلامية.
ومن فكر هذا الوهج الحسيني الفعال، نستطيع ان نقدم ما يمثلنا امام العالم كفكر مبدع يحمل انسانية التحاور ومنهجية تنفتح على قبول شمولي .
ورغم أن قضية الإمام الحسين قضية معتقد قبل أن يكون خطاب مذهب، فإنه خطاب انساني.
ومن المؤكد ان يحظى بشمولية اهتمام الناس، وصحيح ان عملية التلقي تعتمد على الذائقة وعلى المزاج وعلى اختلاف الرؤى المتنوعة، لكن هذا المعترك الانساني يمتلك وهجا يلم اصحاب القلوب الانسانية، فالتلقي بهذا المفهوم يكون شموليا.
لا أحد يتوقع خطوات التنامي في هذا المهرجان.. بل إيماناً بوجودها كونها تمثل جهد عتبات كربلاء المقدسة.
وهي فعلا جهدٌ وطني وانساني، تمنح رؤية العمق الذي يمثل حقيقة المهرجان..
ولذا نرى الهمة الحسينية التي تملأ الوجوه ببشائر الولاء، ونرى هذه الخطوات محاولة ان تصل الى تمثيل هذا الصرح الحسيني.
ونرى ان شمولية الفن الذي يقدم في هذا المهرجان، يشكل معنى الارتقاء الى عالمية التأثير، حيث يقرأ هذا الجهد الذي يجمع - بمحبة- الهويات الدينية المتنوعة والثقافات المختلفة، وضيوف تطل علينا من أوربا وافريقيا والأمريكيتين وآسيا.
فهو المهرجان الوحيد الذي استطاع ان يجمع كل تلك الهويات تحت لواء ومنارة الهدى الحسينية، فكان هذا الصرح الفكري منذ سنته الاولى منارة يلتف حول نورها الجميع، وهو كاشفٌ عن نجاح هذا المشروع الثقافي، بحضور كل اطياف العالم بما فيهم من هم من خارج الطيف الاسلامي، وهذا يعني انه استطاع خلق تمازج فكري مؤثر والذي بطبيعته سيؤسس للتواصل مع الآخر.
أما مصطلح العالمية في هذا المهرجان فقد كان يشكل طموح الجهد المؤسس قبل سنوات، ولم تكن العالمية كبيرة على هذا الجهد الذي يمثل عظمة الامام الحسين، وبقية رموز الخير في ملحمته، فقد نذروا انفسهم الى العالم اجمع، فحروره من عبودية الذل والهوان، والان وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على تأسيس المهرجان، يرى العالم أجمع هذا الجمع الذي يمثل الكثير من قوميات العالم وبلدانه، والذي يكشف عن عالمية المهرجان.
ورغم أن هذا المهرجان انبثق منذ خطوته الاولى في ظروف صعبة (سياسية وأمنية) في العراق، لكنه استمر معتمدا على اصرار حسيني وبثبات عبّاسي، من اجل تأسيس مفهوم حضاري يمنهج لنا بهجة الولادة الحسينية.
فدور العقيلة زينب كان يمثل النظرة الاستشرافية للحسين بتكملة مشوار المسيرة ونقل الصوت الحسيني الى نهضة فاعلة، تؤسس لمثل هذه المهرجانات, وبزيارة لكل مرقد من مراقد الائمة، سنجد فيها تأثير وصلابة وحكمة الإمام علي بن ابي طالب, ومن وجوده خلقت القوة التأثيرية لمدرسة الإمام جعفر الصادق، فهل يستطيع احد ان يرى العالم اليوم دون الإمام الحسين؟
فهذا المهرجان بعمومه هو محاولة للارتقاء لهذه الرؤية الحسينية.
تبارك في هذا المهرجان مفكرون بمختلف الهويات الإثنية والدينية واكدوا ان الخط الحسيني هو خط ثوري عملاق، ومن كلماتهم وبحوثهم نجد أنهم تأثروا بهذا الفكر الانساني الكبير..
فنهضة الإمام الحسين في صداها الإعلامي كأية حركة ناجحة، لو استدرجها التأريخ في صيغة حادثة وقتية، لم تقدر على إحراز مكاسبها الكثيرة، وإنما قدرت في الماضي، وتقدر في المستقبل، بواسطة المآتم الكثيرة التي تقام لها في سائر بقاع الأرض، حتى في قمم جبال الهملايا غير المسكونة، حيث الصرخة الحسينية المدوية في الأعماق بنصب رايتها هناك من قبل حسيني، فانتصر لها محبون، والتف حولها رواد فعاشوها، وأحيوها مرة ثانية وثالثة، وتوارثوها جيلا عن جيل، واستدروا من ركائزها وقيمها ما يلائم ظروفهم، ويعالج قضاياهم الحية، لتكون ثورة كل جيل وقضية كل ساعة حتى تقدر على التلاقح والإنتاج .
ولأن الإمام الحسين لم يكن إمام عصره فقط، بل هو إمام الناس الى يوم القيامة، فلابد أن تكون كافة أعماله وأقوله وفي نهضته، عالميةً خالدةً تعالج المشاكل اليومية والدائمية الى يوم القيامة.
وحجب ذلك الجيل عن نهضة الإمام الحسين أكبر جريمة تجاه شخص الإمام، لأنه يعني تحجيم شخصيته، وبالتالي تحديد رسالته التي من أجلها خلق ومن اجلها استشهد .
وقد يكون هذا الهدف من أهم العوامل التي كانت تدفع الأئمة الى إقامة المآتم بأنفسهم، وتشجيعهم وحثهم على إقامة المآتم على سائر أفراد أسرهم ، وعلى الإمام الحسين بالذات، وبذلك قاموا برسالة إعلامية راسخة في العقول والنفوس.
لذا نستطيع القول إن هذا المهرجان استطاع أن ينقل الصورة المشرقة لكربلاء ودحر كل الأكاذيب التي تحاول النيل من العراق وشعبه ومقدساته.
وبالفعل فقد نجح المهرجان بإرسال هذا الفكر، وهذا أثَّر بشكل إيجابي كبير على الجانب الاقتصادي للمدنية .
الجانب الاقتصادي
من الآثار الإيجابية التي تركها مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي، هو فتحه الأفق أمام الحركة السياحية الدينية لكربلاء المقدسة خصوصاً، والعراق عموماً.
فلا يخفى على الكثير، وخصوصا خلال الأعوام التي تلت سقوط اللانظام البائد، محاولات تشويه الصورة البراقة للعراق ومدنه المقدسة، ورسم صورة دموية في أذهان الكثيرين من الناس، الذين لم ينالوا شرف التبرك في زيارة العتبات المقدسة وخصوصاً بعض الدول البعيدة عن العراق.
لكن مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي ومن خلال فعالياته الفكرية العلمية المتعددة أستطاع أن يستقطب عدداً من الشخصيات البارزة لعدد من المجتمعات والأديان والقوميات المختلفة، ليطَّلعوا على كثب عن ماهية العراق وشعبه ومقدساته وماهية الصورة الحقيقية لهذا البلد.
وهذا ما أصبح واضحاً وجلياً من خلال تزايد أعداد الزائرين طوال العام وخصوصاً التوافد بشكل متزايد سنة بعد سنة للزائرين من بلدان لم نشهد دخولهم من قبل.
فعلى سبيل المثال دخول زائرين من أذربيجان وأفغانستان وفرنسا وأفريقيا، وبلدان المغرب العربي، وهذا بالتأكيد له تأثير ومردود إيجابي على الواقع الاقتصادي وتشغيل اليد العاملة، ووصول أرقام قياسية تتوافد إلى هذه البقاع المطهرة فاق عدد الأجانب فيها سنوياً، أعداد ما يرد منهم للبقاع المقدسة في الحجاز(مكة المكرمة والمدينة المنورة).
الأبعاد الفكرية للمهرجان خارج كربلاء
تأثيرات مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي على الضيوف كان واضحا بصورة إيجابية، حيث إنه اصبح كالحجر الذي يسقط في بركة من الماء يترك أمواجاً تصل الى امتار وربما عشرات الامتار عن هذا الحجر.
فلم يقتصر المهرجان على حدود العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية وكربلاء والعراق، البلد القائم به، بل تعداه الى جميع البلدان المشاركة.
فمثلا في باكستان كان المهرجان هو السبب الذي اصبح نواة لإقامة مهرجان (نسيم كربلاء) الذي تقيمه العتبة الحسينية المقدسة وتستضيف العتبات المقدسة في العراق، وقام القائمون على هذا المهرجان بدعوة من كانوا ضيوفا في ذلك الوقت في مهرجان ربيع الشهادة، إذ كانت دعوى منهم لنقل رؤى المهرجان الى باكستان.
وقد بدأ يؤتي أكله لا فقط على مكان الاقامة في اسلام اباد وانما في محافظات واقاليم اخرى من هذا البلد.
كذلك مهرجان الإمام امير المؤمنين في الهند الذي تقيمه العتبة العباسية المقدسة وتستضيف عتبات العراق المقدسة الأخرى، والذي يقام بمناسبة ولادته الميمونة في الثالث عشر من شهر رجب الأصب، فقد كان لضيوف المهرجان الاثر في نقل تجربة المهرجان الى ارض الهند.
وكأنهم يريدون القول اننا نريد نقل هذه التجربة الناجحة على ارضنا، وفعلا قدموا الطلب الى ادارة العتبة العباسية المقدسة وما كان من سماحة المتولي الشرعي للعتبة العباسية السيد احمد الصافي دام عزه، الا ان وافق بعد دراسة المشروع وفوائده وأحاله الى قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الذي قام بدوره بإقامة مهرجان ناجح تحت عنوان مهرجان امير المؤمنين الثقافي وهو الان انهى سنته الخامسة ومقبل على السادسة، حيث يختار في كل عام ولاية هندية، حتى بدأنا نرى ثماره في اصدار اكثر من 32 كراساً باللغة الاوردية انتشرت بعشرات الالاف من النسخ فضلا عن آلاف نسخ الصور الممهورة بأحاديث أمير المؤمنين، ومعارض زيارة الاربعين وغيرها من الامور، التي بدا يتأثر بها حتى غير المسلمين في الهند، وبدأ المهرجان وتداعياته الثقافية الايجابية تعم ارض الهند الواسعة هذا البلد المتعدد الاعراق والديانات.
ومن ثمرات المهرجان أيضاً خيمة عاشوراء في تركيا كان ايضا لضيوف المهرجان من الاخوة الاتراك طلبات بإقامة او نقل هذه التجربة او جزء منها او ظلالها الى تركيا، واقيم المهرجان لسنتين متتاليتين في اسطنبول، وكان له اثر واضح، ومن ثمراته ايضا ايجاد عدد ليس بالقليل من المترجمين الذين يقومون الان بترجمة اصدارات العتبة العباسية المقدسة للغة التركية، وهذا الكتب بدورها ترد بالنفع على الاخوة في تركيا كذلك.
أما في ايران فكان للمهرجان صداه الواسع بإقامة اسابيع ثقافية في مدن مختلفة كأصفهان وزنجان والاهواز.
وكثير من الفعاليات التي هي من اصداء ضيوف المهرجان.
وكان لربيع الشهادة اثرٌ واضح ايضا في نقل تجربة اقامة مهرجانات مماثلة في العتبات الاخرى، إذ أن معرض كربلاء الدولي للكتاب أحد فعاليات مهرجان ربيع الشهادة، كان اول معرض كتاب في العتبات المقدسة، ثم أقيم معرض مماثل له في العتبة العلوية المقدسة، ومعرضٌ في العتبة الكاظمية المقدسة، وآخر تحت مسمى (معرض سفير الإمام الحسين للكتاب) الذي تقيمه أمانة مسجد الكوفة المعظم والمزارات التابعة له، وغيرها الكثير من المعارض والمهرجانات التي تقام في عتباتنا المقدسة والمزارات الشريفة في عموم العراق الحبيب.
كما كان له صدى واسع في مهرجانات محلية اخرى كمهرجان الامان في محافظة القادسية، والذي يُقام بذكرى ولادة منقذ البشرية الإمام الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف.
وأُقيمت ايضا كأصداء للمهرجان، اسابيع ثقافية في بعض الجامعات العراقية، ومعارض في محافظات المثنى وذي قار والبصرة وبغداد وبابل وواسط، وتوسع المهرجان الى اكثر من ذلك.
بالإضافة الى ايجاد روابط ثقافية في بلدان لم نستطع ان نقيم فيها مهرجانات او معارض ثقافية مثل الفلبين واندونيسيا وماليزيا وهم طلبوا بأنفسهم اقامة مهرجانات في بلدانهم.
هذا فضلا عن المهرجانات التي ذكرت فهناك فوائد أخرى عاد بها المهرجان، حيث كان سببا في تواصل دور النشر مع المكتبات في كربلاء، مما حرك الجانب الثقافي في المدينة، وزاد حركة التأليف، وجنينا من ثمار هذا المهرجان أن أقيم مهرجان الامام الحسن في مدينة الحلة مركز محافظة بابل، في الخامس عشر من شهر رمضان ذكرى ولادته الميمونة، وهو برعاية الأمانتين العامتين للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية وكذلك مهرجان الامام الباقر الذي تُقيمه سنوياً، الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة في الثامن من شوال المعظم، ذكرى هدم قبور أئمة البقيع.
فمهرجان ربيع الشهادة يختص بالذكر الخالد للامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس بينما الطموح ان يخصص مهرجان لكل معصوم يؤسس لاحقاً من قبل العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية بسبب نجاح المهرجان الأم.
فمهرجان الإمام الحسن الذي ذُكر سابقا كان من ثماره تأليف كتب عدة بحق الامام الحسن،
رفد المكتبات الاسلامية بحوثا تناولت قضايا متعددة للإمام الحسن وربما لم يتناولها من قبل، وكذلك الحال للامام الباقر .
وايضا مهرجان ائمة البقيع كان هو الآخر من ثمرات مهرجان ربيع الشهادة ومهرجان ربيع الرسالة الذي تقيمه العتبتان المقدستان الحسينية والعباسية بمناسبة ذكرى ولادة الرسول الأعظم محمد، وحفيده الإمام الصادق، في السابع عشر من ربيع الأول من كل عام، هذه المهرجانات كانت من ثمرات وتداعيات مهرجان ربيع الشهادة .
معرض كربلاء للكتاب
ضمّ مهرجان ربيع الشهادة الثقافيّ العالميّ العديد من الفعاليات والأنشطة المتنوّعة، ولكن من أهم الركائز لهذا المهرجان هو معرض الكتاب الذي يستمر طيلة فترة انعقاد المهرجان، لكن الفوائد الكثيرة التي حققها هذا المعرض والتي سنأتي بذكرها لاحقاً حولت هذه الفعالية إلى (معرض كربلاء الدوليّ للكتاب) حيث تولي اللّجنةُ التحضيريّة للمهرجان اهتماماً كبيراً له، وتسخّر جميع الإمكانيات من أجل إخراجه وإظهاره بأجمل صورة وبما يتلاءم مع هذا الحدث الكبير ومكانة عتبات كربلاء المقدّسة.
حيث امتدت أيام هذ المعرض لتستمر لعشرة أيّام وهي نتاج تميز متواصل من سلسلة النجاحات التي حقّقتها الدورات السابقة من حيث الكمّ والنوع بما يسهم في إثراء الحركة الفكرية والثقافيّة في محافظة كربلاء المقدّسة خصوصاً وفي العراق على وجه العموم.
ففي نسخته الأخيرة وصل عدد طلبات المشاركة الى أكثر من (300) دار للنشر قُبِل منها (180) وهي من (13) دولة هي: (لبنان، مصر، الأردن، الإمارات، سوريا، المغرب، الكويت، السعودية، إيران، بريطانيا، إسبانيا، كندا، إيطاليا) وكانت المشاركات بعناوين مختلفة الاختصاصات والتوجّهات، فلم تقتصر على الكتاب الدينيّ فقط، بل شملت مجالاتٍ أُخَر، منها الأكاديمية والثقافية والادبية والعلمية وثقافة الطفل والمرأة وغيرها، ليكون معرضاً شاملاً متكاملاً من حيث العنوان والتخصّص (الأكاديمية - الجامعات – مراكز بحثية – مراكز دراسات – دور نشر الطفولة – مؤسّسات إنتاج فضائي – دور طباعة ونشر وتوزيع)، كذلك يشارك في هذا المعرض العتبات المقدّسة كافة من داخل العراق وخارجه فضلاً عن المزارات الشيعيّة وديوانَيْ الوقف الشيعيّ والسنّي، هذا وقد اتّخذت اللّجنة المشرفة على المعرض إجراءات تمنع من خلالها عرض أيّ كتابٍ يمسّ سيادة العراق، أو يثير الفتنة الطائفية، أو يتهجّم على الرموز الدينيّة، أو يتناول جوانب غير أخلاقية.
هنا يمكن القول أو الجزم أن هذا المعرض يعد أهم تظاهرة للكتاب في عموم العراق، حيث أنه قد جمع أكثر من 180 دار نشر ومن 13 دولة، لذا يكون السؤال الذي سيترك للقارئ الإجابة عليه هو كم من العنوانين المعرفية في كل الكتب المجالات التي تطرح في كل عام في كربلاء المقدسة والتي يستطيع الكاتب والمثقف والطفل والمرأة وغيرهم الاستفادة منه.

الجانب القرآني
ينصب اهتمام المهرجان على ولادات أهل بيت النبي في شهر شعبان المعظم، ولأن العترة الطاهرة عِدْل القرآن الكريم، ولأن المسلمين اتفقوا على صحة وتواتر حديث الثقلين في يوم الغدير؛ فقد كان للقرآن الكريم نصيب وافرٌ من فعاليات المهرجان، من خلال إقامته للأمسيات والمسابقات القرآنية، كفقرات ضمن فعالياته.
حيث دُعي فيها القُراء والمتسابقون من دولٍ عدة، مما أضفى عليها التنوع الفني في الأداء، وأغناها بالمشاركات الرصينة، سيما وان المشاركين كانوا من المتميزين في بلدانهم، من الأزهر الشريف في مصر الى اندونيسيا وايران وماليزيا مروراً بالهند وأفغانستان، وانتقالاً الى بلدان أوربا والغرب مروراً بتركيا.
وكانت هذه الجلسات فرصةً لاكتشاف الكثير منهم ممن يأتي للعراق أول مرة، وهو من مذهبٍ يختلف عن مذهب غالبية العراقيين، لحقيقة مدرسة أهل البيت واتباعها في العراق وغيره.
من حيث أنهم يؤمنون بنفس القرآن الذي يؤمن به باقي المسلمين، ويقرؤون في عتبات أئمتهم المقدسة، نفس القرآن الذي بين الدفتين، ولا حقيقة للخرافة التي تُشاع عنهم من قبل التكفيرين والمغرضين، أعداء المسلمين جميعاً، وهو كتاب جامعٌ للمسلمين في ظِلال حرم أحد أئمة أهل البيت - الثقل الثاني لوصية نبينا مع القرآن الكريم - حرم الإمام أبي عبد الحسين وحرم أخيه أبي الفضل العباس.
لذا كان للمهرجان دور في إماطة اللثام عما كان يجهله البعض عن أتباع أهل البيت، وله دورٌ في كشف حقيقة أن ما يجتمع المسلمون عليه أكثر مما يختلفون فيه، إنه القرآن الكريم الذي حاول البعض تصويره على انه كتاب لطائفة واحدة من المسلمين لا جميعهم.!
وهكذا كانت هذه الرسائل من أهم ما حققه المهرجان، ومما لم يستطع غيره تحقيقه بنفس التأثير.


الجانب الأدبي
استطاع المهرجان أن يُحرّك مكامن القوة في الأدب العربي، ويُفصح عما يجول بخواطر الشعراء العرب والعراقيين، ليُسطّروا ما جادت به قرائحهم من معانٍ ضمّنوها في قصائدهم التي تغنّت بمحبة أهل بيت الرحمة، لا سيما من يحتفل المهرجان بذكرى ميلادهم، ومُخصص فيه الأمسيات الشعرية.
فكان المهرجان فرصةً لتلاقح الأفكار والمواهب بين الشعراء، سيما مع اختلاف بلدانهم، بل وأديانهم ومذاهبهم واجتماعهم على موضوع واحد، وواسطةً لتعارفهم وتواصلهم وتطويرهم بعضهم لبعض.
فتغنى المسيحي كما المسلم السني والشيعي والدرزي، ومعهم الصابئي بحب الإمام الحسين وقيم نهضته.
فكان المهرجان في هذا الجانب، عامل وحدةٍ لكل هؤلاء باختلاف عقائدهم إيانهم وفروعها، إذ وحدهم سيد الشهداء، ليُنتج المهرجان دواوين شعر هي مجموع قصائده في سنواته السابقة، لترتكز حول نهجٍ واحد.. إنه الإمام الحسين ونهضته العظيمة وحب أهل بيت الرحمة.
وكل هذه الأمور تعتبر من الثمار اليانعة لشجرةٍ وارفةِ الظِلال، هي مهرجان ربيع الشهادة.
أما الشعر الشعبي فكان له نصيبٌ هو الآخر في هذا المهرجان، فهو فنٌ أصيل وُلد من رحم الثقافات واللغات القديمة التي عاشت على أرض كل بلد قبل أن تدخله الثقافة العربية، فامتزجت بتلك الثقافات لتتولد اللهجات، وكان لها نصيب من الشعر اصطُلح عليه بالشعبي، لأنه قريب من لغة الناس المحكية.
ولأن أغلب الناس تأنس به لقربه من ثقافتهم اليومية، فقد كان له جمهوره الكبير في المهرجان، وكان الأخير جامعاً للكثير من الشعراء الشعبيين من بلدان شتى، صدحت حناجرهم بما جادت به ثقافاتهم من معانٍ جميلة حول النهضة الحسينية الخالدة، التي صاغت الكثير من شخصيات الشعوب المتأثرة بها.
وكان أكثرها هو البلد الذي جرت على أرضه ملحمة الطف الخالدة، حتى أصبحت قصتها وتراجيديتها جزءاً من ثقافته وسلوك أبنائه، ومشاعرهم.
فقد أبدع شعراؤه في المهرجان، حتى ألهبت قصائدهم الحماسية الجموع تارةً ضد الظالمين، وأجرت دموعهم تارةً أخرى في بيان تفاصيل تلك الملحمة، مازجين معها التراث السومري العراقي القديم بكل مكنوناته الثقافية الحزينة، ومستخدمين أروع الألفاظ وأعذبها.



الخاتمة
استعرضت هذه السطور التي قرأتها خلاصة لتفاصيل مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي الذي ترعاه الأمانتان العامتان للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، معرّفة بالغاية من تأسيس هذا المهرجان وما أفاده المشاركون على تنوع اختصاصاتهم بما صدحت به حناجرهم وأبدعت يراعاتهم.
وقد كشف الكراس عن الجهود المبذولة من المشاركين والمنظمين على حد سواء للوصول إلى الغاية المنشودة وهي تقديم رؤيتنا الفكرية والإبداعية بما استلهمناه من النهضة الحسينية الخالدة ، بفيوضها التي صارت الدليل إلى عظمة الفكر الإنساني لمدرسة أهل البيت.
والكراس الذي بين يديك هو تبيان للنتيجة المبتغاة من المهرجان في الارتقاء في طرح الرؤى الحسينية، وتردد صداها في شتى أرجاء المعمورة.. آملين من الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.



إعداد و تصميم و برمجة شعبة الإنترنت في العتبة العباسية المقدسة